حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
566
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم . ثم الفاء في قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل : هو الذكر على الذبيحة ، وقيل : هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل : هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة . وقيل : معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك ، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر اللّه فإن التخلية ليست مقصودة بالذات ، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات ، فالأولى نفي والثاني إثبات . ومعنى كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ توفروا على ذكر اللّه كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء ، وأقيموا الثناء على اللّه مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذبا أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى ، وإن كان صدقا استتبع العجب والتباهي ، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم . وعن الضحاك والربيع : اذكروا اللّه كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق « أبه أبه أمه أمه » أي كونوا مواظبين على ذكر اللّه كما يكون الصبي في صغره مواظبا على ذكر أبيه وأمه ، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] وقال أبو مسلم : جرى ذكر الآباء مثلا لدوام الذكر . والمعنى : كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر اللّه . وقال ابن الأنباري : العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال تعالى : عظموا اللّه كتعظيمكم آباءكم . وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحلف بالآباء وقال « من كان حالفا فليحلف باللّه أو ليصمت » « 1 » وقيل : اذكروا اللّه بالوحدانية كذكركم آباءكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف . وقيل : كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر اللّه كذلك . وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب للّه إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء . وقوله أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً إما في موضع جر عطفا على ما أضيف إليه الذكر في قوله كَذِكْرِكُمْ كما تقول « كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا . وإما في موضع نصف عطفا على آباءَكُمْ بمعنى أو أشد ذكرا من آبائكم على أن ذِكْراً من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء ، فإن الذكر بل كل فعل معتد له اعتبارات اعتبار
--> ( 1 ) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب 26 . أبو داود في كتاب الأيمان باب 4 . الترمذي في كتاب النذور باب 9 . النسائي في كتاب الأيمان باب 4 . ابن ماجة في كتاب الكفارات باب 2 . الدارمي في كتاب النذور باب 6 . الموطأ في كتاب النذور حديث 14 .